فصل: تفسير الآيات (105- 108):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.تفسير الآيات (92- 98):

{عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)}
وقوله: {عالم الغيب} المعنى: هو عالم الغيب، وقرأ أبو عمرو وغيره: {عَالِمِ} بالجر؛ اتباعاً للمكتوبة.
وقوله سبحانه: {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي القوم الظالمين} أمَرَ اللَّه تعالى نَبِيَّه- عليه السلام- أنْ يدعوَ لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة إنْ كان قُضِيَ أنْ يَرَى ذلك، وإن شرطية وما زائدة وتريني جزم بالشرط لزمته النونُ الثقيلة وهي لا تُفَارِقُ، {أَمَّا} عند المُبَرِّدِ، ويجوزُ عند سيبويه أنْ تفارقَ، ولكن استعمالَ القرآن لزومها، فمن هنالك ألزمه المبرد، وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية والتحذير من الأمر المعذب من أجله، ثم نظيره لسائر الأُمَّةِ دُعَاءٌ في حسن الخاتمة، وقوله ثانياً: {رب} اعتراض بين الشرط وجوابه.
وقوله سبحانه: {ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة} أمْرٌ بالصفح ومكارِمِ الأخلاق، وما كان منها لهذا فهو مُحْكَمٌ باقٍ في الأُمَّةِ أبداً، وما كان بمعنى الموادعة فمنسوخ بآية القتال.
وقوله: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} يقتضي أَنَّها آية مُوَادَعَةٍ.
وقال مجاهد: الدفع بالتي هي أحسن: هو السلامُ، تُسَلِّمُ عليه إذا لَقِيتَه.
وقال الحسن واللَّه لا يُصِيبُهَا أَحَدٌ حَتَّى يَكْظِمَ غيظه، وَيَصْفَحَ عَمَّا يكره، وفي الآية عِدَةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: اشتغل أنت بهذا وكل أمرهم إلينا، ثم أمره سبحانه بالتَّعَوُّذِ من همزات الشياطين، وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسانُ فيها نفسه؛ وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكُفَّارِ فتقع المجادلة، ولذلك اتَّصَلَتْ بهذه الآية، وقال ابن زيد: هَمْزُ الشيطان: الجنونُ، وفي مُصَنَّفِ أَبي داودَ: أنَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ: هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، ونَفْثِهِ» قال أبو داودَ: همزه: المُوتة، ونفخه: الكِبْرُ، ونَفْثُهُ: السحر.
قال * ع *: والنَّزغَاتِ وسورات الغضبِ من الشيطان، وهي المُتَعَوَّذُ منها في الآية، وأصل الهمز: الدَّفْعُ والوَكزُ بيدٍ وغيره.
قلت: قال صاحب سلاح المؤمن: وهَمَزَاتُ الشياطين: خَطَرَاتُها التي تَخْطِرَهَا بقلب الإنسان، انتهى.
وقال الوَاحِدِيُّ: همزات الشياطين: نَزَغَاتُهَا وَوَسَاوِسُهَا، انتهى.

.تفسير الآيات (99- 104):

{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104)}
وقوله سبحانه: {حتى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ} {حَتَّى} في هذا الموضع حَرْفُ ابتداءٍ، والضمير في قوله: {أَحَدَهُمُ} للكفار، وقوله: {ارجعون} أي: إلى الحياة الدنيا، والنون في: {ارجعون}: نونُ العَظَمَةِ؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «إذَا عَايَنَ المُؤْمِنُ المَوْتَ، قَالَتْ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ: نُرْجِعُك؟ فيقول: إلى دَارِ الهُمُومِ وَالأَحْزَانِ؟ بل قُدُماً إلى اللّهِ، وأَمَّا الكَافِرُ، فَيَقُولُ: {ارجعون * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً}»
وقوله: {كلا}: رَدٌّ وزجر.
وقوله: {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} تحتمل ثلاثة معانٍ:
أحدها: الإخبارْ المُؤكّدُ بأنَّ هذا الشيء يقع، ويقولُ هذه الكلمة.
الثاني: أنْ يكون المعنى: إنها كلمة لا تغنى أكثر من أَنَّه يقولها، ولا نفعَ له فيها ولا غَوْثَ الثالث: أنْ يكون إشارةً إلى أَنَّهُ لو لو رُدَّ لعاد، والضمير في: {وَرَآئِهِم} للكفار، والبرزخ في كلام العرب: الحاجز بين المسافتين، ثَم يُسْتَعَارُ لما عدا ذلك، وهو هنا: للمُدَّةِ التي بين موت الإنسان وبين بعثه؛ هذا، إجماعٌ من المفسرين.
وقوله عز وجل: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ...} قال ابن مسعود وغيرُه: هذا عند النفخة الثانية وقيامِ الناس من القُبُورِ؛ فهم حينئذٍ لهول المَطْلَعِ واشتغال كل امرئ بنفسه قد انقطعت بينهم الوسائلُ، وزال انتفاعُ الأنساب؛ فلذلك نفاها سبحانه، والمعنى: فلا أنسابَ نافعةٌ، ورُوِيَ عن قتادَة أَنَّهُ: ليس أَحد أبغض إلى الإنسان في ذلك اليوم مِمَّن يَعْرِفُ، لأَنَّهُ يخاف أَنْ يكونَ له عنده مَظْلِمَةٌ، وفي ذلك اليوم يَفِرُّ المرء من أخيه؛ وأُمِّهِ وأبيه؛ وصاحبتِهِ وبَنِيْهِ، ويفرحُ كلُّ أحد يومئذٍ أنْ يكون له حَقُّ على ابنه وأبيه، وقد وَرَدَ بهذا حديثٌ، وكأنّ ارتفاع التساؤل لهذه الوجوه، ثم تأتي في القيامة مواطنُ يكون فيها السؤال والتعارف.
قال * ع *: وهذا التأويل حَسَنٌ، وهو مرويُّ المعنى عن ابن عباس، وذكر البزَّارُ من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالْمِيزَانِ، فَيُؤْتَى بِابْنِ آدَمَ، فَيُوقَفُ بَيْنَ كَفَّتَيِ الْمِيزَانِ، فَإنْ ثَقُلَ مِيزانُهُ، نَادَى المَلَكُ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ الخَلاَئِقَ: سَعِدَ فُلاَنٌ سَعَادَةً لاَ يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَداً، وَإنْ خَفَّ مِيزَانُهُ، نَادَى المَلَكُ بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الخَلاَئِقَ: شَقِيَ فُلاَنٌ شَقَاوَةً لاَ يَسْعَدُ بَعْدَهَا أبداً»، انتهى من العاقبة. وروى أبو داودَ في سننه عن عائشة رضي اللّه عنها أَنَّها ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذكُرُونَ أَهْلِيَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: أَمَّا في ثَلاَثَةِ مَوَاطِنَ، فَلاَ يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَداً، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَم: أَيِخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الكِتَابِ حَتَّى يَقُولَ: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَه} [الحاقة: 19]، حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يُعْطَى كِتَابَهُ: أفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شَمَالِهِ، أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ، إذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَي جَهَنَّمَ»، انتهى. ولفح النار: إصابتها بالوهج والإحراق، والكلوح انكشافُ الشفتين عن الأسنان، وقد شبه ابنُ مسعود ما في الآية بما يعتري رؤوس الكِبَاشِ إذا شيطت بالنار؛ فإنَّها تكلح، ومنه كلوح الكلب والأسد.
قلت: وفي الترمذيِّ عن أبي سعيد الخدريِّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «{وَهُمْ فِيهَا كالحون} قال: تَشْوِيهِ النَّارُ، فَتَقْلُصُ شَفَتُهُ العُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ، وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ...» الحديث قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، انتهى.
وهذا هو المُعَوَّلُ عليه في فهم الآية، وأَمَّا قول البخاريِّ: {كالحون} معناه: عابسون فغيرُ ظاهر، ولَعَلَّهُ لم يقف على الحديث.

.تفسير الآيات (105- 108):

{أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108)}
وقوله سبحانه: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي} أي: يقال لهم، والآياتُ هنا القرآن، وقرأ حمزة: {شَقَاوَتُنَا} ثم وقع جواب رغبتهِم بحسب ما حتمه اللّه من عذابهم بقوله: {اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} ويقال: إنَّ هذه الكلمة إذا سمعُوها يئسوا من كل خير، فتنطبق عليهم جَهَنَّمُ، ويقع اليأسُ عافانا اللّه من عذابه بمنّه وكرمه-!
وقوله: {اخسئوا} زجر، وهو مستعمل في زجر الكلاب.

.تفسير الآيات (109- 118):

{إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)}
وقوله عز وجل: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا...} الآية الهاء في {إنه}: مُبْهَمَةٌ: وهي ضمير الأمر والشأن، والفريقُ المُشَارُ إليه: كُلُّ مُسْتَضْعَفٍ من المؤمنين يَتَّفِقُ أنْ تكون حالُه مع كُفَّارٍ مِثلَ هذه الحال، ونزلت الآية في كُفَّارِ قريشِ مع صُهَيْبٍ، وعَمَّار، وبلال، ونظرائهم، ثم هي عامة فيمَنْ جرى مجراهم قديماً وبقيةَ الدهر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: {سُخْرِيّاً} بضم السين، والباقون بكسرها؛ فقيل هما بمعنى واحد؛ ذكر ذلك الطبريُّ.
وقال ذلك أبو زيد الأنصاريُّ: إنهما بمعنى الهُزْءِ، وقال أبو عبيدَة وغيره: إنَّ ضم السين من السخرة والاستخدام، وكسرها من السخر وهو الاستهزاء، ومعنى الاستهزاء هنا أليق؛ أَلاَ ترى إلى قوله: {وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ}.
وقوله سبحانه: {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ...} الآية قوله: {فِي الأرض}.
قال الطبريُّ معناه: في الدنيا أحياءَ، وعن هذا وقع السؤال، ونَسُوا لفرط هول العذاب حَتَّى قالوا: {يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}، والغرضُ توقيفهم على أَنَّ أعمارهم قصيرة أَدَّاهُمُ الكُفْرُ فيها إلى عذاب طويل، عافانا اللّه من ذلك بِمَنِّهِ وكرمه!.
وقال الجمهور: معناه: كم لَبِثْتُمْ في جوف التراب أمواتاً؟ قال * ع *: وهذا هو الأصوب من حيث أنكروا البعث. وكان قولهم: إنهم لا يقومون من التراب، وقوله آخراً: {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} يقتضي ما قلناه.
قلت: الآيات محتملة للمعنيين، واللّه أعلم بما أراد سبحانه؛ قال البخاريُّ: قال ابن عباس: {فَسْئَلِ العآدين} أي: الملائكة، انتهى.
* ص *: قرأ الجمهور: {العَادِّينَ}- بتشديد الدال- اسم فاعل من عَدَّ، وقرأ الحسن وفي رواية: {العَادِينَ} بتخفيف الدال، أي: الظَّلَمَةَ، و{إنْ} من قوله: {إِن لَّبِثْتُمْ} نافيةٌ، أي: ما لبثتم إلاَّ قليلاً، اه. و{عَبَثاً}: معناه: باطلاً، لغير غَايَةٍ مُرَادَةٍ، وخَرَّجَ أبو نُعَيْمٍ الحافظُ عن خش الصنعانيِّ عن ابن مسعود «أنه قرأ في أذن مبتلى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...} إلى آخر السورة، فأفاق فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ما قرأتَ في أذنه؟ قال: قرأت: {أَفَحَسِبْتُمْ...} إلى آخر السورة، فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَوْ أَنَّ رَجُلاً مُوقِناً قَرَأَهَا عَلَى جَبَلٍ لَزَال»، انتهى، وخَرَّجَهُ ابن السُّنِّيُّ أيضاً، ذكره النووي.
وقوله سبحانه: {فَتَعَالَى الله الملك الحق}: المعنى: فتعالى اللّه عن مقالتهم في دعوى الشريك والصاحبة والولد، ثم تَوَعَّدُ سبحانه عَبَدَةَ الأوثان بقوله: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ}، وفي حرف عبد اللّه: عند ربك، وفي حرف أُبَيِّ: عند اللّه ثم أَمر تعالى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بالدعاء والذكر له فقال: {وَقُل رَّبِّ اغفر وارحم وَأنتَ خَيْرُ الراحمين}.

.تفسير سورة النور:

وهي مدنية.
بسم الله الرحمن الرحيم

.تفسير الآيات (1- 3):

{سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)}
قوله تعالى: {سُورَةٌ أنزلناها وفرضناها...} الآية معنى فرضنا. أوجبنا وأثبتنا، وقال الثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ: {فرضناها} أي: أوجبنا ما فيها من الأحكامِ، انتهى، وقال البخاريُّ: قال ابن عباس: {سُورَةٌ أنزلناها}: بَيَّنَّاها، انتهى. وما تقدم أَبْيَنُ.
* ص *: {فَرَضْنَاهَا} الجمهور: بتخفيف الراء أي: فرضنا أحكامها، وأبو عمرو وابن كثير: بتشدِيْدِ الراء: إما للمبَالَغَةِ في الإيجاب، وإما لأَنَّ فيها فرائضَ شَتَّى، انتهى، والآيات البَيِّنَاتُ: أمثالُها ومواعِظُهَا وأحكامُها.
وقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ...} الآية هذه الآية ناسخة لآية الحَبْسِ باتِّفاق، وحكم المُحْصَنِينَ منسوخٌ بآية الرجم والسُّنَّةِ المتواترة على ما تقدّم في سورة النساء، وقرأ الجمهور: {رَأْفَةٌ} بهمزة ساكنة؛ من رَأَفَ إذا رَقَّ وَرَحِمَ، والرأفة المَنْهِيُّ عنها هي في إسقاط الحَدِّ، أي: أقيموه ولا بُدَّ، وهذا تأويل ابنِ عمر وغيره.
وقال قتادة وغيره: هي في تخفيف الضَّرْبِ عنِ الزُّنَاةِ، ومِنْ رأيهم أَنْ يُخَفَّفَ ضربُ الخمر، والفِرْيَةِ دون ضرب الزنا.
وقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين} أي: إغلاظاً على الزناة، وتوبيخاً لهم، ولا خلافَ أَنَّ الطائفة كُلَّمَا كَثُرَتْ فهو أليق بامتثال الأمر، واختلف في أَقَلِّ ما يجزِئ فقال الزُّهْرِيُّ: الطائفة: ثلاثةٌ فصاعداً، وقال عطاء: لابد من اثنين، وهذا هو مشهورُ قول مالك فرآها موضع شهادة.
وقوله تعالى: {الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} مَقْصِدُ الآية تشنيعُ الزنا وتشنيع أمره، وأَنَّهُ مُحَرَّمٌ على المؤمنين ويريد بقوله: {لاَ يَنكِحُ} أي: لا يَطَأُ، فالنكاح هنا بمعنى: الجماع؛ كقوله تعالى: {حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230].
وقد بَيَّنَهُ صلى الله عليه وسلم في الصحيح أَنَّه بمعنى الوطء، حيث قال: «لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ...» الحديث وتحتمل الآية وجوهاً هذا أحسنها.

.تفسير الآيات (4- 5):

{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)}
وقوله سبحانه: {والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ...} الآية نزلت بسبب القاذفين، وذكر تعالى في الآية: قَذْفَ النساءِ من حيث هو أَهَمُّ وأبشعُ، وقذفُ الرجال داخلٌ في حكم الآية بالمعنى والإجماع على ذلك، و{المحصنات} هنا: العفائف، وشَدَّدَ تعالى على القاذف بأربعة شهداء؛ رحمةً بعباده، وستراً لهم، وحكم شهادة الأربعة أنْ تكونَ على معاينة مبالغة كالمِرْوَدِ في المَكْحَلَةِ في موطنٍ واحد، فإنِ اضطرب منهم واحد جُلِدَ الثلاثة، والجلد: الضرب، ثم أمر تعالى: أَلاَّ تُقْبَلَ للقَذَفَةِ المحدودين شهادةٌ أبداً، وهذا يقتضي مُدَّةَ أعمارهم، ثم حكم بفسقهم، ثم استثنى تعالى مَنْ تاب وأصلح من بعد القذف، فالاستثناء غيرُ عامل في جلده بإجماع، وعامل في فسقه بإجماع، واخْتُلِفَ في عمله في رَدِّ الشهادة، والجمهور أَنَّه عامل في رَدِّ الشهادة، فإذا تاب القاذف قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، ثم اختلفوا في صورة توبته، فقيل بأن يُكَذِّبَ نَفْسَه، وإلاَّ لم تُقْبَلُ وقالت فرقةٌ منها مالك: توبته أن يَصْلُحَ وتَحْسُنَ حالُه. وإنْ لم يرجع عن قوله بتكذيب واختلف فقهاءُ المالكيَّةِ متى تسقط شهادة القاذفِ فقال ابن الماجشون: بنفس قَذَفِهِ، وقال ابن القاسم وغيره: لا تَسْقُطُ حتى يُجْلَدَ، فإن مَنَعَ من جلده مانع عفو أو غيره لم تُرَدَّ شهادَتُه، قال اللَّخْمِيَّ: شهادته في مدة الأجل للإثبات موقوفة، و{تَابُواْ} معناه: رجعوا، وقد رَجَّحَ الطبريُّ وغيرُهُ قولَ مالك، واخْتُلِفَ أَيضاً على القول بجواز شهادته، فقال مالك تجوزُ في كل شيء بإطلاق، وكذلك كُلُّ مَنْ حُدَّ في شيء.
وقال سحنون: مَنْ حُدَّ في شيء فلا تجوز شهادته في مثل ما حُدَّ فيه، واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أَنَّ شهادته لا تجوزُ في الزنا.